الشيخ محمد الصادقي
402
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ربه الكبرى « 1 » ولو أن بقيت هذه الحالة التجردية في مقام « أو أدنى » أو وحتى في « دنى » لاشتغل عن الكون وعن رسالته وعن نفسه وقضى نحبه ، وهذا باب من المعرفة الإلهية لن يعرفها إلا صاحب المعراج ، وهي التي استدعاها موسى ( ع ) فأجيب « لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » لم يكن في وسعه العروج إلى الأفق الأعلى وهو موسى ، كما لا يتسع الجبل فوق ما يتحمل . وفي هذه المرحلة النهائية من الزلفى إلى اللّه ، أوحى اليه اللّه ما أوحى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى : وحي خاص في وقت خاص وكما يروى عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لي وقت مع اللّه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل » « 2 » « أوحى إلى عبده ما أوحى بلا واسطة فيما بينه وبينه سرا إلى قلبه لا يعلم به أحد سواه » « 3 » . سر مستسر عمن سوى اللّه وسواه ، لم يوح إلى أحد من المرسلين ، ولا الكروبيين ، اللهم إلا إلى صاحب المعراج ، إلى قلب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن ثمّ إلى قلب محمدي ، إلى قلوب الطاهرين من عترته ، الذين رباهم بتربيته ، وطهرهم اللّه كطهارته ، وأذهب عنهم الرجس أهل البيت كما أذهب عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ان هناك وحيا نطق به ، في قرآنه وسنته ، يحمله
--> ( 1 ) . علل الشرايع عن زين العابدين علي بن الحسين ( ع ) سئل عن اللّه جل جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال : تعالى عن ذلك ، قيل : فلم أسرى بنبيه ( ص ) إلى السماء ؟ قال : ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه ، قيل : فقول اللّه عز وجل : « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى . . » قال : ذلك رسول اللّه ( ص ) دنى من حجب النور فرأى من ملكوت السماوات ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى . أقول : ذيل الحديث مردود إلى راويه أو يؤول إلى ما يناسب الدنو إلى اللّه والتدلي باللّه ، وعلّ منه ان ذلك الدنو والتدلي كشف له ملكوت السماوات والأرض كما كشف له عن المحجوب من غيب معرفة اللّه ، الممكن كشفه - تأمل . ( 2 ) . تفسير روح البيان ج 9 : 220 عن الإمام جعفر الصادق ( ع ) . ( 3 ) . تفسير روح البيان ج 9 : 221 عن الإمام جعفر الصادق ( ع ) .